الحدث نيوز - بغداد
مع ظهور الرقص في أزمنة التاريخ الغابرة بوصفه طقسا يحاكي البشر من خلاله الطبيعة، اتخذ فيما بعد لبوسا وثنيا وغيبيا للتضرع. إذ أراد الإنسان الأول أن ينضم إلى القوى العصية على إدراكاته ويتوحد معها ساعيا في الوقت ذاته إلى التأثير فيها.
واقتصر هذا الطقس في بداياته على الذكور بوصفهم القوة الضاربة، التي تحاول إخضاع عناصر الطبيعة لمشيئة البشر، لكن وفيما بعد، ومع تطور الحضارة، دخل الرقص في طور جديد عندما اقترن بالنشاط الزراعي، وهنا بدأت الأنثى بوصفها "سيدة الخصوبة" تشارك في تلك الطقوس، وأخذت الرقصات تركز على محاكاة سيرورتي الخصوبة والولادة.

ومع مسيرة التاريخ وشأن كل النشاطات البشرية، توجه الرقص في قنوات جديدة ليجد أشكالا أخرى يقدم بها نفسه، وبالرغم من أن الرقص كما نشاط مغرق في القدم، فإنه بات أكثر أنواع تلك النشاطات تطوراً.

وإذا كان الرقص في بداياته حكاية الإنسان مع القوى الخارقة والماورائيات وتعبيرا عن موقفه منها، فقد بات حكاية الإنسان مع الإنسان وحكاية الإنسان مع ذاته.

وإذا كانت الرسومات واللوحات، التي حفرها الإنسان على جدران الكهوف والمغاور قد رسمت حكاية الإنسان بالخطوط والألوان، فإن الرقص حاول أن يعبر عنها بالجسد وخطوطه، وتابع هذا النشاط مسيرته ليتحول إلى فن معبر باتت له أصول وقواعد.

لقد رصدت الفنون الأخرى تطور هذا الفن وأشكاله وتجلياته من الأدب إلى الشعر وأخيرا إلى الميدان الذي جسده خير تجسيد وهو الفن السابع.

فمن فيلم زوربا اليوناني، الذي جسد تلك الرقصة الشهيرة إلى فيلم "التانغو الأخير في باريس"، الذي جسد السيكولوجيا الكامنة في رقصة التانغو من خلال بطل الفيلم، الذي لعب الدور أسطورة هوليوود، مارلون براندو، ومن شاهد الفيلم لابد يعرف أن التانغو ليس رقصة فحسب بل هو حكاية إنسان في محاولة بحثه عن الحب.

وظهر التانغو في القرن التاسع عشر في الأرجنتين عندما جاء به مهاجرو ما وراء البحار وحطوا الرحال في الحانات بحثا عن أمل يكسرون به عزلتهم ووحشتهم في بلادهم الجديدة.

لقد أرادوا سلوانا وعزاء يقيمون من خلاله أود حياة عاطفية افتقدوها في أوطانهم. وإذا كانت مقولة " فتش عن المرأة" تصدق بشكل عام فإنها تصدق في التانغو إلى حد كبير حيث تصبح المقولة " فتش عن المرأة من خلال التانغو" فعندما يحضر الإنسان إلى أرض جديدة غريبة عنه أول ما يفتش عنه هو الحب.

لقد أراد راقصو التانغو ملجأً من وحدة الإنسان ووحشته ربما إلى حضن دافئ يعوض عن صقيع عوالمهم. ولم يكن من سبيل سوى التعبير بالرقص، وإذا كانت أساليب التعبير التي تحاول أسر مشاعر المرأة تختلف وتتفاوت في صدقيتها فإن ما يلعب دورا هاما هي قوة المشاعر فلها الكلمة الفصل.

ربما يتوجب علينا هنا أن نتذكر الأديب الجنوب إفريقي، كويتزي، في روايته اللافتة " بانتظار البرابرة" عندما عبر عن ذلك بقوله" على الرقصة والمغنين أن يحكموا العالم" ولا غرو فالأمر كذلك.

ويعتبر بعض دارسي ومحترفي رقص التانغو بأنه أسلوب في الحياة، بل ونمط تفكير أيضا، وهو طريقة في الحياة على وقع الموسيقى، وطريقة في التعبير من خلال وقع الأقدام، إذ يعد طيف سعادة أو شبح هناء.

لقد كان راقصو التانغو من الطبقة المهمشة سابقاً "لكن الأمر تغير بعد ذلك بحيث بات فنا لصيقا بالطبقات العليا من المجتمع"، والذين لم يكن لديهم ما يعطونه سوى ذلك التعبير البسيط والقوي في آن عن مدى حبهم للمرأة.

وإذا كانت الموسيقى قديما تستخدم لمعالجة الأمراض، فإن التانغو هو خير علاج لأمراض الحب المستعصية. وهنا لا مكان للمشاعر الضعيفة. فالتانغو هو حشد كل إمكانيات المشاعر واستنفارها. فكلما كان وقع الخطوات أقوى كان التعبير عن مشاعر الرجل أمضى. وكذلك المرأة كلما كانت استجابتها في التانغو أكثر وضوحا كلما عبر ذلك عن حاجتها بل وتوقها للتواصل مع حبيب جاء إلى حلبة الرقص.

والتانغو شأن معظم الميادين ففيه يمكن للمرأة أن تأخذ بيد الرجل ليصبح تانغوياً وهنا تتغير مقولة أن وراء كل رجل عظيم امرأة لتصبح المقولة وراء كل راقص تانغو امرأة تحبه.

إذا كانت الفنون جميعها قد ألهمتنا إنسانيتنا وطورت من مشاعرنا، لندع التانغو يقودنا ربما إلى حب لم نعرفه ولن نعرفه من قبل.